بهاء الدين الجندي اليمني

470

السلوك في طبقات العلماء والملوك

أهلها فنشأ بينهم نشأة حسنة ، وتفقّه وذكر بالفضل وقدم زبيد سنة ثلاث وعشرين فجعل قاضي قضاة من قبل الظاهر ، فلما غلب المجاهد على زبيد خرج إلى عدن ولحق بالظاهر إذ كان يومئذ بها ثم طلع الجبال فانتهب بجرانع ثم تقدم جبلة فهو بها إلى الآن في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبعمائة . وليس للقاضي البهاء عقب يذكر به ولا لمنصور ، وهؤلاء آخر من ينبغي ذكره منهم وآخر ذراري الفقهاء الذين ذكرهم ابن سمرة اللهم إلا رجل بذي السفال اسمه عبد اللّه بن عبد الرحمن بن الفقيه محمد بن أحمد بن الفقيه عمر بن إسماعيل مقدّمي الذكر ، مولده سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ، أدرك جدّه محمدا وأخذ عنه وكان فاضلا بالتفسير والحديث والفقه ، وكان جميل الخلق مديد القامة كما ذكر عن جده محمد بن أحمد ، وكان يحفظ النقاش في التفسير حفظا جيدا ، وكان يتنعم في ملبسه ومطعمه ومشربه ، فكان يدان حتى يبلغ دينه مبلغا عظيما فيضيق من ذلك وينزل مدرسة الجند المنصورية فيتخلى له مدرسها عن منصبه ليبقى « 1 » بها مدة ، وما يحصل من الكيلة قضى به الدين وهو لا يأكل إلا من بيته ، يؤتى بخبز مخبوز ويشتري إدامه في الجند ، ثم إذا انقضى دينه عاد بلده مبادرا ، فما أحسن هذا ! وأحسن منه فعل الفقيه ، المدرس الذي يتخلّى له هذا يكاد يكذب به العقل لما نراه من فقهاء زماننا ، لكن الذي أخبرني رجل من أهل الدين والعقل وكان من بقي عليه من الطلبة شيء في كتابه لحقه بلده فأتّمه ، وكان صاحب كرامات ومكاشفات ، أخبرني الثقة من أهل بلده أنه كان يكثر التكرار لزيارة القبور فزارها ذات يوم بجماعة من أصحابه ، فحين أشرف عليها تنفّس صعدا ، ثم قال : لا إله إلا اللّه ، إن هذه القبور ليست على ما ترون ، إنها كبيوت أهل الدنيا منها قصور ومنها دور ومنها بيوت ومنها عشش ومنها ديم ، وقد سمع منه هذا جماعة ، وأخبر ثقة عنه أنه روى عن جده محمد بن أحمد أنه كان ذات ليلة قائما يصلي ورده إذ سمع شخصا يدعو من الشارع يقول : يا مسعودة يا مسعودة من قبالة الطاق الذي له ، فأخف الصلاة ، ثم أشرف من الطاق فرأى كلبا على جذم « 2 » حائط يحدث هرة لبيت الفقيه قد خرجت حين دعا فحين لقيته تسالما بكلام يعرفه الفقيه ويسمعه ثم قالت له : من أين جئت ؟ قال خرجت من زبيد اليوم ، لأنه قتل الملك المعز بها وأريد أبلغ الخبر من فوري صنعاء ولكني جوعان فانظري لي شيئا آكله ، فقالت ليس بالبيت شيء إلا

--> ( 1 ) وفي « ب » فيدرس بها مدة . ( 2 ) في الأصلين مهمل الحروف فجعلناه جذم بالجيم والذال ثم ميم وهو الأصل أو على جدر .